الشيخ محمد هادي معرفة

253

تلخيص التمهيد

ولسيّد قطب محاولة موفّقة - إلى حدّ ما - في سبيل الإحاطة بما تشتمل عليه كلّ سورة من أهداف . يقدّم فكرة عامة عن السورة بين يدي تفسيرها ، وبياناً إجمالياً عن مقاصد السورة قبل الورود في التفصيل ، ممّا يدلّ على تسلسل طبيعي في كلّ سورة تنتقل خلاله من غرض إلى غرض حتّى تنتهي إلى تمام المقصود ، تناسقاً معنوياً رتيباً ، تنبّه له المتأخرون في كلّ سورة بالذات . ولم يزل العمل مستمراً في البلوغ إلى هذا الهدف البلاغي البديع في جميع السوَر ، لكن يجب التريّث دون التسرّع ، ونحن في بداية المرحلة ، فلا يكون هناك تكلّف أو تحمّل لا ضرورة إليه . « 1 » وبعد ، فإليك نماذج من محاولات بُذلت للحصول على تلك الوحدات الموضوعية التي تشتمل عليها كلّ سورة لذاتها بحيث كادت تقرب من نظم التأليف من ديباجة ومقاصد وخاتمة في تبويب رتيب ، حصولًا على قدر الجهد المبذول ، واللَّه من وراء القصد . سورة الفاتحة : ما يشتمل عليه هذه السورة القصيرة من نظم وترتيب طبيعي ، هو من أبدع النظم التي تصوّر موقف العبد تجاه ربّه الكريم ، في ضراعة وخشوع ، مسترحماً مبتهلًا إيّاه تعالى أن يهديه سواء السبيل وينعم عليه بأفضل نعمه وآلائه ، في أسلوب جميل وسبك طريف . إنّ هذه السورة المباركة انتظمت من ثلاثة مقاطع ، كلّ مقطع مرحلة هي مقدّمة للمرحلة التالية في تدرّج رتيب ، ويتمثّل خلالها أدب العبد الماثل بين يدي مولاه . تلك مراحل يجتازها في إناقة يريد مسألته . يمجّده أوّلًا ، ثم ينقطع إليه كمال الانقطاع ، وأخيراً يعرض حاجته في أسلوب لطيف ، ينتقل من الغيبة إلى الخطاب ، وكأنّه كان في حجاب عن وجه سيّده المتفضّل عليه بالإنعام ، ثم مثّل بين يديه وحُظي بالحضور . قالوا « 2 » : إنّ العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد - عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما

--> ( 1 ) . المجتمع الإسلامي كما تنظّمه سورة النساء لمحمّد محمّد المدني : ص 5 - 7 ( أهداف كلّ سورة : ص 7 ) . ( 2 ) . الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 14 .